عبد القاهر الجرجاني

108

دلائل الإعجاز في علم المعاني

ومثله قول جرير : [ من الطويل ] أمنّيت المنى وخلبت حتّى * تركت ضمير قلبي مستهاما " 1 " الغرض أن يثبت أنه كان منها تمنية وخلابة ، وأن يقول لها : أهكذا تصنعين ؟ وهذه حيلتك في فتنة الناس ؟ ومن بارع ذلك ونادره ، ما تجده في هذه الأبيات . روى المرزبانيّ في " كتاب الشعر " بإسناد ، قال : لما تشاغل أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه بأهل الرّدة ، استبطأته الأنصار فكلّموه ، فقال : إمّا كلّفتموني أخلاق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، فو اللّه ما ذاك عندي ولا عند أحد من الناس ، ولكنّي واللّه ما أوتى من مودّة لكم ولا حسن رأي فيكم ، وكيف لا نحبّكم ؟ فو اللّه ما وجدت مثلا لنا ولكم إلّا ما قال طفيل الغنويّ لبني جعفر ابن كلاب : [ من الطويل ] جزى اللّه عنّا جعفرا حين أزلقت * بنا نعلنا في الواطئين فزلّت أبوا أن يملّونا ، ولو أنّ أمّنا * تلاقي الّذي لاقوه منّا لملّت هم خلطونا بالنّفوس وألجئوا * إلى حجرات أدفأت وأظلّت " 2 " فيها حذف مفعول مقصود قصده في أربعة مواضع قوله : " لملّت " ، و " ألجئوا " و " أدفأت " و " أظلّت " ، لأن الأصل : " لملّتنا " و " ألجئونا إلى حجرات أدفأتنا وأظلّتنا " ، إلّا أنّ الحال على ما ذكرت لك ، من أنه في حدّ المتناسى ، حتى كأن لا قصد إلى مفعول ، وكأن الفعل قد أبهم أمره فلم يقصد به قصد شيء يقع عليه ، كما يكون إذا قلت : " قد ملّ فلان " ، تريد أن تقول : قد دخله الملال ، من غير أن تخصّ شيئا ، بل لا تزيد على أن تجعل الملال من صفته ، وكما تقول : " هذا بيت يدفئ ويظلّ " ، تريد أنه بهذه الصفة . واعلم أن لك في قوله : " أجرّت " ، و " لملّت " ، فائدة أخرى زائدة على ما ذكرت من توفير العناية على إثبات الفعل ، وهي أن تقول : كان من سوء بلاء القوم ومن تكذيبهم عن القتال " 3 " ما يجرّ مثله ، وما القضية فيه أنه لا يتّفق على قوم إلّا خرس شاعرهم فلم يستطع نطقا ، وتعديتك الفعل تمنع من هذا المعنى ، لأنك إذا قلت :

--> ( 1 ) البيت في ديوانه ( 379 ) ، وقبله : ترى صديان مشرعة شفاء * فحام وليس واردها وحاما ( 2 ) الأبيات في الأغاني ( 15 / 356 ) ، لطفيل الغنوي ، والإيضاح ( 110 ، 111 ) . ( 3 ) تكذيبهم عن القتال كذب عن أمر أراده أحجم عنه . القاموس : / كذب / ( 166 ) .